السعيد شنوقة

33

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

فقد رأوا الحديث الشريف الذي ينهى عن التفسير بالرأي يقصد الرأي الذي لا يعتمد على أصل ثابت ولا على روح الشريعة . وقد روى الترمذي بسنده عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « اتقوا الحديث عنّي إلا ما علمتم فمن كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » ، و « من قال في القرآن برأيه ليتبوأ مقعده من النار » « 1 » . وذكر القرطبي قولا لأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار بن محمد الأنباري النحوي اللغوي في كتاب الرد : قال : « فسّر حديث ابن عباس تفسيرين : الأول : من قال في مشكل القرآن بما لا يعرف من مذاهب الأوائل من الصحابة والتابعين فهو متعرّض لسخط الله . والثاني : وهو أثبت القولين وأصحهما معنى : من قال في القرآن قولا يعلم أن الحق غيره فليتبوأ مقعده من النار » ثم قال : « ومعنى يتبوأ ينزل ويحل » « 2 » ثم أضاف بعد هذا في التفسير بالرأي « إنّ من قال فيه بما سنح في وهمه وخطر على باله من غير استدلال عليه بالأصول فهو مخطئ ، وإنّ من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتّفق على معناها فهو ممدوح » « 3 » . ومن هنا اجتهد كثير من العلماء في تفسير القرآن بعد أن أيقن كل منهم في نفسه الثقة بأنه استكمل عدة المفسّر ، فأخذ التفسير يتأثر باتجاهات المفسرين ويصطبغ بثقافاتهم ، فكان أن ظهرت تفاسير غلب عليها التعرض لمسائل النحو « 4 » مثل « معاني القرآن » للزجاج ( ت 316 ه ) ، و « البسيط » للواحدي علي بن أحمد بن متويه ( ت 468 ه ) ، و « البحر المحيط في التفسير » لأبي حيان الأندلسي ( ت 794 ه ) أو غلب عليها اللغة مثل « معاني القرآن » لقطرب المستنير ( ت 206 ه ) ، و « غريب القرآن » لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي ( ت 210 ه ) ، وغيرهما ممن ألف في غريب القرآن وركّز على المسائل اللغوية وهم كثيرون . وقد سميت كتب هذا المنحى « معاني القرآن » .

--> ( 1 ) جامع الترمذي ، 3030 وانظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ( د . ت ) باب ما جاء من الوعيد في تفسير القرآن بالرأي ، ج 1 ، ص 32 انظر د . محمد حسين الذهبي ، التفسير والمفسرون ، ج 1 ، ص 248 . ( 2 ) الجامع لأحكام القرآن ، ج 1 ، ص 32 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 33 . ( 4 ) انظر أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 2 ، ص ، 145 ود . أحمد محمد الحوفي ، الزمخشري ، ص 100 .